محمد متولي الشعراوي
2954
تفسير الشعراوى
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ( 11 ) ( سورة الأحزاب ) هذه المعركة كانت قاسية ، حرك الحق فيها الريح وتفرق فيها أعداء الإسلام ، وصرف الحق الأحزاب ورجع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة . وكان من المفروض أن يرتاح المؤمنون المقاتلون . لكن قبل أن يخلعوا ملابس الحرب جاء جبريل إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : أو قد وضعت السلاح يا رسول اللّه ؟ قال : نعم : فقال جبريل : فما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، إن اللّه عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم . ف ( أمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - مؤذنا فأذن في الناس : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهّم العصر في الطريق ، فقال بعضهم لا نصلى حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلى لم يرد منا ذلك فذكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يعنّف أحدا منهم » « 1 » . هي مسألة كبرى إذن . والتزاما بأمر النبوة خرج الصحابة إلى مواقع بني قريظة . وكادت الشمس تغرب وهم في الطريق ؛ وانقسموا إلى قسمين ؛ قسم قال : ستغيب الشمس ولم نصل العصر فلنصله قبل أن تغيب الشمس . وقال القسم الثاني : لقد أمرنا النبي ألا نصلى العصر إلا في بني قريظة ، ولن نصليه إلا هناك وإن غابت الشمس . وصلى القسم الأول ولم يصل القسم الثاني . وعندما ذهبوا إلى المشرع وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذكروا له الأمر لم يعب على أي جانب منهم شيئا ، وأقر هذا وأقر ذاك . وتلك فطنة النبوة ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن كل حدث من الأحداث يتطلب زمانا ويتطلب مكانا ، والذين صلوا نظروا إلى عنصرية الزمن ، وخافوا أن تغيب الشمس قبل ذلك . والذين لم يصلوا نظروا إلى عنصرية المكان فلم يصلوا العصر إلا في مواقع بني قريظة . وأقر رسول اللّه الأمرين معا . إن هذا يدلنا على أن هناك أشياء يتركها الحق قصدا دون تحديد قاطع لأنه يحبها على أي لون ، مثال ذلك أن فعل من يمسح ربع رأسه في الوضوء جائز ، وفعل من يمسح رأسه كلها جائز ، وجاء الحق بالباء الصالحة لأي وجه من وجوه مسح الرأس ،
--> ( 1 ) رواه البخاري في صلاة الخوف وفي المغازي .